الجصاص

143

أحكام القرآن

وقد اختلف أهل العلم في إيجاب تحريم الأم والبنت بوطء الزنا ، فروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين في رجل زنى بأم امرأته : " حرمت عليه امرأته " ، وهو قول الحسن وقتادة ، وكذلك قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ومجاهد وعطاء وإبراهيم وعامر وحماد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي ، ولم يفرقوا بين وطء الأم قبل التزوج أو بعده في إيجاب تحريم البنت . وروى عكرمة عن ابن عباس في الرجل يزني بأم امرأته بعد ما يدخل بها قال : " تخطى حرمتين ولم تحرم عليه امرأته " ، وروى عنه أنه قال : " لا يحرم الحرام الحلال " . وذكر الأوزاعي عن عطاء أنه كان يتأول قول ابن عباس " لا يحرم حرام حلالا " على الرجل يزني بالمرأة ولا يحرمها عليه زناه ، وهذا يدل على أن قول ابن عباس الذي رواه عكرمة في أن الزنا بالأم لا يحرم البنت لم يكن عند عطاء كذلك ، لأنه لو كان ثابتا عنده لما احتاج إلى تأويل قوله : " لا يحرم الحرام الحلال " . وقال الزهري وربيعة ومالك والليث والشافعي : " لا تحرم أمها ولا بنتها بالزنا " . وقال عثمان البتني في الرجل يزني بأم امرأته قال : " حرام لا يحرم حلالا ، ولكنه إن زنى بالأم قبل أن يتزوج البنت أو زنى بالبنت قبل أن يتزوج الأم فقد حرمت " ، ففرق بين الزنا بعد التزويج وقبله . واختلف الفقهاء أيضا في الرجل يلوط بالرجل هل تحرم عليه أمه وابنته ؟ فقال أصحابنا : " لا تحرم عليه " . وقال عبد الله بن الحسين : " هو مثل وطء المرأة بزنا في تحريم الأم والبنت " . وقال : " من حرم بهذا من النساء حرم من الرجال " . وروى إبراهيم بن إسحاق قال : سألت سفيان الثوري عن الرجل يلعب بالغلام أيتزوج أمه ؟ قال : لا . وقال : كان الحسن بن صالح يكره أن يتزوج الرجل بامرأة قد لعب بابنها . وقال الأوزاعي في غلامين يلوط أحدهما بالآخر فتولد للمفعول به جارية قال : " لا يتزوجها الفاعل " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) قد أوجب تحريم نكاح امرأة قد وطئها أبوه بزنا أو غيره ، إذ كان الاسم يتناوله حقيقة فوجب حمله عليها ، وإذا ثبت ذلك في وطء الأب ثبت مثله في وطء أم المرأة أو ابنتها في إيجاب تحريم المرأة ، لأن أحدا لم يفرق بينها . ويدل على ذلك قوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) ، والدخول بها اسم للوطء ، وهو عام في جميع ضروب الوطء من مباح أو محظور ونكاح أو سفاح ، فوجب تحريم البنت بوطء كان منه قبل تزوج الأم لقوله تعالى : ( اللاتي دخلتم بهن ) . ويدل على أن الدخول بها